ملا محمد مهدي النراقي

304

جامع الأفكار وناقد الأنظار

تساهلوا في تعابيرهم لم يكن منافيا لمّا أسّسوه وبنوا عليه مسائلهم « 1 » ؛ انتهى . وقال الفخر الرازي في المباحث المشرقية : الحقّ عندي انّه لا مانع من استناد كلّ الممكنات إلى اللّه - تعالى - ، لكنّها على قسمين ، منها : ما امكانه اللازم لماهيته كاف في صدوره عن الباري - تعالى - ، فلا جرم يكون فائضا عنه - تعالى - من غير شرط ؛ ومنها : ما لا يكفي امكانه بل لا بدّ من حدوث أمر قبله ليكون الأمور السابقة مقرّبة للعلّة الفائضة إلى الأمور اللاحقة ؛ وذلك انّما ينتظم بحركة دورية . ثمّ انّ تلك الممكنات متى استعدّت استعدادا تامّا صدرت عن الباري - تعالى - وحدثت عنه ولا تأثير للوسائط أصلا في الايجاد ، بل في الاعداد ؛ « 2 » انتهى . والحاصل انّ عبارات الفلاسفة متطابقة على انّ إفاضة الوجود / 64 DB / على كلّ موجود انّما هو من الواجب الحقّ وان كان بعض الموجودات متوقّفا في إفاضة الوجود عليه من الواحد الحقّ على شروط ومعدات ، وتلك الشروط والمعدّات هي الوسائط في الإفاضة بمعنى انّ الإفاضة من الواجب على بعض الموجودات يتوقّف على تخلّل تلك الوسائط ، لكون ذوات هذه الموجودات وماهياتها ناقصة قاصرة غير قابلة لإفاضة الحقّ الأوّل بلا وسائط ، لا أنّ تلك الوسائط هي المقتضية للوجود . فمرادهم بما يقولون أحيانا : انّ العقل الأوّل مثلا علّة للعقل الثاني والثّاني للثالث وهكذا : ما ذكرنا . قال بعض أهل التحقيق : لمّا ثبت انّ مفيض الوجود لا يكون إلّا الواجب - جلّ شأنه - وانّ الامكان علة للاحتياج إلى الواجب بالذات لا علّة مطلقة - كما قال بعض أهل التحقيق : انّ الامكان وإن كان علّة للحاجة إلى علّة ما في بادي النظر إلّا انّ بعد الفحص وتعمّق النظر ينكشف انّ الامكان علّة للاحتياج إلى واجب الوجود بالذات - فاعلم ! انّ سلسلة الممكنات المترتّبة إذا لوحظت باعتبار أنّ كلّ واحد واحد منها بحسب جوهر ذاته الممكنة مجعول الواجب بالذات يكون بهذا الاعتبار سلسلة عرضية ، وجميع آحاد تلك السلسلة متساوية في الفاقة والاستناد إليه - جلّ شأنه - ابتداء

--> ( 1 ) - راجع : شرح الإشارات المطبوع مع المحاكمات ج 3 ص 249 ؛ شرحي الإشارات ج 2 ، ص 47 . ( 2 ) - راجع : المباحث المشرقيّة ج 2 ص 507 .